الشيخ محمد النهاوندي
126
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وقال شارح ( نقش الفصوص في شرح كلمة حكمة إلهية في كلمة آدمية ) على ما حكاه القاضي رحمه اللّه قالوا : الانسان الكامل البرزخ بين البحرين ، والحاجز بين العالمين ، وإليه الإشارة بقوله سبحانه : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ « 1 » . وقال إسماعيل حقي في ( تفسير روح البيان ) قيل : البحران علي وفاطمة رضي اللّه عنهما ، والبرزخ النبي صلّى اللّه عليه وآله يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ الحسن والحسين رضي اللّه عنهما ، انتهى « 2 » . ثمّ طالب سبحانه بعد ذكر النعمة العظيمة الشكر عليها ، وأنكر الكفران بقوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 24 إلى 28 ] وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 24 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 25 ) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 28 ) ثمّ بعد ذكر نعمة البحر ذكر سبحانه نعمة السّفن بقوله : وَلَهُ تعالى السّفن الْجَوارِ والسائرات و الْمُنْشَآتُ والمخلوقات لنفع العباد ، أو مرفوعات الشّرع ، أو المرفوعات على الماء فِي الْبَحْرِ وهنّ في الارتفاع والعظمة كَالْأَعْلامِ والجبال الطوال ، فالسفن في البحر كالجبال ، كما أنّ الإبل في البرّ كالسّفن في البحر . ثمّ لمّا كان في خلق مواد السّفن وأجزائها ، والإرشاد إلى تركيبها وصنعها ، وإجرائها في البحر بقطع المسافات البعيدة في الأوقات القليلة ، وحمل الأشياء النافعة الكثيرة إلى البلاد النائية ، وتيسير المعاملات والتجارات بسببها ، نعم عظيمة لا مدخل لغير اللّه تعالى فيها ، حثّ الثقلين على الإقرار بها وشكرها بقوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . ثمّ لمّا ذكر سبحانه البحر الذي هو من المهالك للبشر ؛ ونبّه على أنّ النجاة منه بالسّفن من نعم اللّه تعالى ، نبّه سبحانه على أنّه ليس لأحد أن يغتّر بالنجاة من المهالك في مدّة عمره المقدّر له ، فانّ مآل كلّ أحد إلى الفناء والموت بقوله : كُلُّ مَنْ تمكّن في الأرض ، واستقرّ عَلَيْها من الموجودات : العقلاء وغيرهم فانٍ وزائل من وجه الأرض لا محالة ، فلا يغترّ العاقل ببقائه في الدنيا وبقاء ماله من الصحة والعزّ والغنى والمال والولد ، فانّ الذي يدوم وَيَبْقى ولا يزول ولا يفنى وَجْهُ رَبِّكَ أيّها الانسان وذاته المقدّسة عن الحاجة والنقائص الامكانية ، ووجوده المنزّه عن شوب العدم
--> ( 1 ) . إحقاق الحق 3 : 276 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 296 .